الأرشيف

ذاكرة مع وقف التنفيذ

منى البقشي✏

 واقع مرير تجرعته عندما  عاشرتها مكاناً وزمانًا حين زيارتي لأنيس النفوس، فكان الرضا حليفي عندما جلست معها ووالدتها في غرفة واحدة لمدة أسبوع.
الواتساب يُعد أفيون حياتها والتي باتت لاتبارحه وفي أحلك الظروف. عيونها شابحة ورأسها منكس وذهنها شارد، وكأنها تعوم في بحر لا ساحل له، ناهيك عن النشوة التي تعتريها وهي في أحضانه والغبن والشرود اللذان يعتريانها جراء انفصال الواي فاي، ليُخال لها أنّها اندست في التراب وانقطعت أنفاسها، فهو كالأكسجين الذي يمدها بسبب الوجود، لأجدها تترنح باحثةً عن ضالتها وعما يروي عطشها. لتُصير تلك الغرفة الصغيرة صفا ومروة، تسعى فيها للبحث عمن ينعش جهازها بذلك الوجه المتجهم والعيون الغائرة ودمعها المتلألىء من عينيها لتثور ثائرتها بصرخاتها المتوالية، لأرى الأشياء تتطاير لتحط على الأرض جراء الارتطام الشديد، لينال جهازها الجوال نصيبه بوابل من الضرب المبرح باليد تارة وتارة على الأرض، ليكاد يلفظ أنفاسه الأخيرة، ووالدتها المسكينة التي تحاول إطفاء اشتعال نيران ابنتها  وتهدئة روعها، بعد أن تتلقى زجر وردع وتوبيخ بالغ الشدة، لأراها تسحب جهاز والدتها من يديها، مهددة لها بتخريبه وفصل الشبكة عنه وقد تعالى صوتها في وجه أمها الرؤوم قائلة لها كيف تنعمين بالواتساب أنت وهي وأنا محرومة منه؛ لأقف مذهولة أمامها !!!
جنون وتهور وخدر لعقلها يصلها لحد الكفر بالحقوق الربانية.
فالواتساب أسر الكثير وحرر القليل. والنتيجة: ذاكرة مع وقف التنفيذ.
ذاكرة الجيل الجديد أحاسيس وإحساس متبلد وجامد في قطب أزرار اﻷجهزة، يحومون حول حمى الشاشات، يسرحون ويمرحون في وحله، مائدة بصنوف الطعام والمذاق المتباين. لكن !!
طعم تسرب من غربال الوصل والوصال المحسوس، بصر بلا  بصيرة، وسمع بلا استماع، فقد هويته لينبت بلا جذر، فرع بلا أصل، سريع القطف، هش التفكير، يتسكع في شوارع الثقافة الحديثة.
هو من ربته اﻷجهزة بعيداً عن نبض مجتمعه، وأحضان والديه اللذان سلماه لحاضنة العولمة والتكنولوجيا بلا عين تحرسه ولا لسان يردعه.
لكن ما الجديد في عالم الجديد ؟؟ نافذة واسعة اختصرت المسافات، الكل حلق ليهبط في مدرج عالمه زجاجي شفاف !!
فمن صقل زجاجه، رؤيته جلية، ومن لوثها بيدين دبقة، بُهِتت معالمها وتلاشت.

كهرمان في سوق النخاسة

منى البقشي✏️

عندما تتدحرج القوارير على أرض صلبة لها نتوآت حادة فينخدش بعضها، والآخر يتكسر بين فتات وقطع متباينة الحجم، الكهرمان يتحول لقهرمان بين يدي القوامة المختلة.
صنوف الرجال بين من ينثر ملح على جروح نكأها بفضاضته، وبين من يصم أذانه لنداء بات ينطفئ لاستهلاكه، فلا يكون رجلاً إلا بتلك السمات النرجسية والسطوة القسرية٠
لا تفكير إلا بمصلحته وتحقيق مآربه، متناسياً أن ماتنشره الوردة من أريج شذاها من باقتها الجميلة، ما هو إلا تكرماً منها وجميلاً لبعض  صنيعها له ولعرينه، ليلمع القفص الذهبي ويزداد بريقه، ولو بهت البريق؛ فالويل والثبور، فسياط العتب واللوم تتلوى على ظهر استقرارها وطمأنينتها.
لا ماء يرويها بعذب الكلم، ولا شمس تشرق في سنا قلبها، فقد ترى نفسها آمنة في حوزة من وقعت تحت وطأته، فهو ظل الرجل وليس ظل الحيطة وناره وليست جنة أهلها٠
الحقوق مسلوبة ومغتصبة من وطن المرأة وأمنها.
فتكون المرأة أحيانا وقود لاشتعال نارها. الضعف والانهزامية يولدان الخوف والقهقرى والصوت المندس بين حشرجة الصم.
الكرامة والاحترام يتسربان من قناة الحياة الزوجية لتصيرها رتيبة، كدمى تتراقص على مسرح الحياة، محركا لها الرجل كما يشاء، فلا  كابح يوقف بطشه، ولا لسان يدفع حممه، فتتسع الهوة ويزداد عمقها لتمتزج الحلاوة بالمرارة٠
صمت يكسره زفرة وأنة، ظناً منها أنّ صوتها تعد لحدودالعرف والدين، وظناً منه أن نون الأنثى ستسقط من محياها لو خرجت من بلاط تملكه.
مازالت الخيوط متشابكة، عقدة بلا حل،  وأنثى بلا ساحل لتُرسي قلبها المتأرجح.
الأبناء قلادة تخشى من تناثر دررها، ومأوى نشبت فيه أقدامها كي لا تضيع.
الصبر يربت على تجرعها للغصص، ولو تحررت تنعت بالأنا وقليلة التحمل فمن يرتق ماتفتق؟؟؟
فلا قصاص من قاتل عدالة الحياة الزوجية !!!