سيارة ونظرة

منال الخليفة ✏️

 رجع حسام وفي يديه عدد من المجلات، افترش أرض الصالة تحيط به المجلات من كل جانب، وهو يتصفحها بتأمل مع كل رشفة شاي، لم تكن المجلات المعتاده المتنوعة، بل كانت مجلات متخصصة في السيارات.
حسام تعب في جمع الرواتب ليحقق حلمه في شراء سيارة  جميلة فارهة مريحة سريعة، تتوفر لها قطع الغيار بسهولة، يتسم محركها بالقوة والمتانة.
بحث حسام في مجلاته عن كل ذلك وعرف قوة الدفع وكل مميزات السيارة، والشركة التي تنتمي لها ومستوى عراقتها، وشاهد لها مقاطع الفيديو التي تزيده قناعة بها وبعد كل هذا البحث انطلق حسام عجلا إلى أقرب وكالة تبيع سيارة أحلامه، ليتأكد من حقيقة مواصفات بحثه، وليتحسس خامتها وجودتها، وليعاين جاذبية ألوانها، ليجلس فيها  ويستشعر الراحة والسعة والإنس.

كان لحسام ما أراد واشترى سيارته التي اجتهد في البحث عنها، وبدأت سيارته العزيزة تقدم له خدماتها،  إلا أنه بعد تعدد المشاوير بدأ بالتضجر من بعض المواصفات التي لم ينتبه لها، فالمقود كان ثقيل الحركة، والمرايا الجانبية زواياها ليست دقيقة،  فما كان من حسام إلا أن يتكيف مع هذه المشاكل ولا يجعلها سببا في أن تكدر فرحته في سيارته الجديدة.
لكن حسام مع دقته في البحث وقدرته على التكيف مع بعض الصفات الغير مرغوبة، إلا أنه كان تقليديا عندما قرر الزواج، فهو لم يبحث في عراقة العائلة التي سيرتبط بابنتها، ولا المواصفات المعنوية اللازمة لتكوين قاعدة ثابتة لإنشاء أسرة ناجحة، واكتفى بصفات المظهر الخارجي فقط التي سيعاينها في ما يعرف بالنظرة الشرعية، والتي اعتقد فيها أنها نظرة سلعة معروضة في المحلات ليعطي نفسه الحق في معاينة عدد لا متناه من الفتيات، من منطلق المثل الشعبي ( البنت طاقة قماش تنفل وتنلف)، ملقيا بقدرته على التكيف ومعالجة المشاكل عرض البحر، ليرفض هذه بسبب قصرها، وأخرى بسبب ثغرها، أو حتى مشيتها، لتتداعي كرامة الفتاة بعد كل نظرة تبوء بالفشل، بل وتسقط الكرامة أكثر عندما يطالب حسام بنظرة شرعية غير متعارف عليها في الشرع أو في مجتمعاتنا، فقد سمع من  أحد اصدقائه ارتبط بفتاة من شرق البحر المتوسط وهو يتباهى بأنه يدخل بيت أحدهم ليخطب ويقوم صاحب البيت بعرض كل الفتيات القاطنات في بيته وكأن البنت جارية في سوق النخاسين.
بل للاسف أن حسام شاهد فيديو يعرض النظرة الشرعية في مورتانيا، الذي انتشر في اليوتيوب وكان بوده لو يستطيع أن تحتوي النظرة الشرعية على تجربة خاصة به، ونسي حسام أنه لا يتعامل مع سيارة وأن ذلك ينزل بمستوى الإنسانية إلى الحضيض، لتكون كل هذه الأحداث والفهم القاصر لأهمية النظرة الشرعية سبب في رفض بعض الأسر لها، مع أهميتها في الوصول الى الارتياح النفسي، فهي جلسة لاستشفاف بعض الأمور وليس كلها، واكتشاف جوانب التميز والنقص ليحدد أي الكفتين ترجح لكلا الطرفين، وأن ذلك كله يأتي من بعد البحث والفحص الطبي والسؤال والإطمئنان.
لكن للأسف هناك من رفض النظرة حماية لابنته من كسرها بعد الموقف أو خلوه من عبث المنتقين، في المقابل هناك من يسوق لبناته مستغلا مبدأ أن العين تعشق قبل القلب، وهذا ما سقط فيه حسام عندما وجد أما تدعوه لمعاينة ابنتها ليأسر بجمالها ويقرر خطبتها، لكن المفاجئة أنه اكتشف أن الفتاة غير متوافقة معه وراثيا في الدم .
فحسام بحث جيدا لشراء سيارة وأخفق في البحث عن شريكة حياته.

همسة في إذن حسام
مهما بحثت لانتقاء أفضل المواصفات لا يوجد كمال بل يوجد تكيف وقدرة تحمل للوصول إلى التكامل.

الإعلانات

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s